الشريف الرضي
168
المجازات النبوية
" ولا تسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم " ( 1 ) وهذه استعارة ، والمراد بالبيضة هاهنا مجتمع أمته عليه الصلاة والسلام وموضع سلطانهم ، ومستقر دعوتهم ( 2 ) . وشبه ذلك بالبيضة لاجتماعها ، وتلاحق أجزائها ، واستناد ظاهرها إلى باطنها ، وامتناع باطنها بظاهرها . وقد يجوز أن يكون المراد بالبيضة هاهنا المغفر الذي هو من لامة الحرب ، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه مكان اجتماعهم ، ومظنة اتفاقهم والتئامهم ببيضة الحديد التي تحصن الدارع ( 3 ) وترد القوارع ( 4 ) . وكان شيخنا أبو الفتح ( 5 ) النحوي رحمه الله يقول : قولهم فيها الجماء الغفير ( 6 ) ، يريدون به البيضة التي هي المغفر وسموها جماء لملاستها ( 7 ) وغفيرا لتغطيتها ( 8 ) كأنهم بهذا الكلام
--> ( 1 ) هذه قطعة من حديث طويل أوله " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها " الحديث . ( 2 ) في القاموس : البيضة : ساحة القوم ، والمراد أنه لا يستبيح أوطانهم ، فيدخلها غازيا فاتحا ويتحكم فيهم . وعلى ذلك لا استعارة في الكلام ، ويجوز أن يكون هذا معنى ثانيا ، والمعنى الذي ذكره الشريف معنى أول . ( 3 ) الدارع : لابس الدرع ، وهو قميص من حديد يلبسه المحارب ليقي صدره وظهره من الطعنات . ( 4 ) القوارع جمع قارعة : وهي الضربات التي تأتيه من الأعداء . ( 5 ) هو أبو الفتح ابن جنى صاحب كتاب الخصائص وغيره في اللغة والنحو . ( 6 ) تقول العرب : جاءوا جما غفيرا ، والجماء : الغفير ، ويظهر أن في الجملة تحريفا ، والأصل جاءوا يدل فيها . ( 7 ) من معاني الجماء : الملساء . ( 8 ) الغفر : الستر ، ومن ذلك غفران الذنوب : أي سترها ، والمغفر وهو الدرع لأنه يستر صاحبه .